لم يكن رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يقدّم مجرد رواية عن حرب يخوضها كيانه، بل كان يبني خطابًا سياسيًا متكاملًا يربط الحرب بالحاجة إلى البقاء، والبقاء بالتاريخ، والتاريخ بالهوية الدينية. وبعد أن عرض ما سمّاه حربًا على سبع جبهات، واستعرض الضربات التي قال إن العدو الإسرائيلي وجّهها إلى خصومه، ختم خطابه بعبارة توراتية عمرها آلاف السنين: «Netsakh Yisrael Lo Yeshaker»، وقدّم لها ترجمة تفسيرية بمعنى أن «أبدية إسرائيل لن تتراجع».
ولم يكن اختيار هذه العبارة تفصيلًا لغويًا. فقد جاءت بعد خطاب عسكري وسياسي كثّف فيه نتنياهو الحديث عن حماس وحزب الله وإيران والحوثيين وميليشيات في العراق وسوريا وفصائل فلسطينية، مقدّمًا هذه الساحات باعتبارها جبهات في حرب واحدة، قبل أن يقول: «سننتصر، ليس لدينا خيار آخر». وهكذا جاءت العبارة التوراتية في نهاية مسار خطابي انتقل من توصيف الحرب إلى تثبيت فكرة البقاء والانتصار، وربط المواجهة الراهنة بسردية تاريخية ودينية أوسع.
وتكتسب العبارة أهميتها من سياقها التوراتي نفسه. فهي وردت في سفر صموئيل الأول، الإصحاح 15، الآية 29، ضمن قصة شاول، أول ملوك بني إسرائيل، عندما واجهه النبي صموئيل بعد مخالفته أمرًا إلهيًا في حربه على عماليق. فقد تلقى شاول أمرًا بمحاربة عماليق وإهلاك ما فيها، لكنه أبقى على أجاج، ملك عماليق، واحتفظ الشعب بأفضل الغنائم والماشية، فاعتبر النص ذلك عصيانًا للأمر الإلهي.
ولذلك فإن نتنياهو أراد تحميل النص حرفيًا معنى القضاء على خصوم إسرائيل، رغم أن النص بذاته لا يستقيم مع سياقه التاريخي والتوراتي.
لكن الآية، في سياقها الأصلي، لا تتحدث عن دولة إسرائيل الحديثة، ولا عن الفلسطينيين أو لبنان أو إيران أو أي من الخصوم المعاصرين. كما أنها لا تعني، في معناها الحرفي، أن إسرائيل الحديثة «ستقضي على خصومها». فالعبارة تحيل إلى «مجد إسرائيل» أو «قوة إسرائيل» في سياق ديني يرتبط بالله، وأنه لا يكذب ولا يغيّر رأيه أو يتراجع عن قراره. ولذلك تختلف الترجمات في نقل بعض ألفاظها، بين «المجد» و«القوة» و«الأبدية»، وكذلك بين «لا يغيّر رأيه» و«لا يتراجع» أو «لا يرجع عن قراره».
وهنا تبرز دلالة وضع هذه العبارة في نهاية الخطاب. فنتنياهو لم يوردها في سياق ديني منفصل، بل بعد استعراض الجبهات العسكرية والحديث عن الانتصار، وقبل ذلك استحضر أكثر من ثلاثة آلاف عام من التاريخ اليهودي، وأشار إلى داود وسليمان وإشعيا وإرميا، وأكد أن الأرض هي «أرض إسرائيل». وبهذا الترتيب، تحولت العبارة من استشهاد ديني إلى جزء من بناء رمزي يربط الحرب الحالية بالذاكرة التاريخية والهوية الدينية.
ولا يعني ذلك أن النص التوراتي ذاته يبرر الحرب الحالية؛ فالسياق التاريخي للنص مختلف، والانتقال منه إلى صراعات القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى تأويل سياسي وديني لا يفرضه النص بذاته. لكن استدعاءه في خاتمة خطاب عسكري يمنحه وظيفة سياسية واضحة، تتمثل في إضفاء عمق تاريخي ورمزي على موقف معاصر، وربط القرار العسكري بسردية تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة.
وتكمن حساسية هذا الاستخدام في أن النص الديني، عندما يُنقل من سياقه التاريخي إلى خطاب عسكري معاصر، قد يتحول من نص ذي دلالة دينية محددة إلى رمز سياسي يُستخدم لتفسير الحاضر. وعندها يمكن أن تبدو خيارات مثل استمرار الحرب أو إنهائها أو الذهاب إلى التسوية مرتبطة بسردية تاريخية ودينية أوسع، بدلًا من أن تبقى قرارات سياسية قابلة للنقاش والمراجعة.
لهذا فإن أهمية خاتمة نتنياهو لا تكمن في العبارة التوراتية وحدها، بل في موقعها داخل خطاب جمع بين القوة العسكرية والذاكرة التاريخية والهوية الدينية. فقد أراد أن يترك منبر الأمم المتحدة بعبارة تختزل، في بنية خطابه، فكرة البقاء وعدم التراجع، وتضع الحرب الراهنة داخل إطار تاريخي وديني أوسع. وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين ما يقوله النص في سياقه الأصلي وبين المعنى السياسي الذي أُريد له أن يؤديه في صراع معاصر.






















































